الغزالي

174

إحياء علوم الدين

خداعة ، قتالة لأربابها ، معادية لهم في الباطن ، ومظهرة صورة الود ، [ 1 ] فما امتلأت منها دار حبرة إلا امتلأت عبرة ، كما ورد في الخبر ، وكما قال الثعلبي في وصف الدنيا تنح عن الدنيا فلا تخطبنها ولا تخطبن قتالة من تناكح فليس يفي مرجوّها بمخوفها ومكروهها إما تأملت راجح لقد قال فيها الواصفون فأكثروا وعندي لها وصف لعمري صالح سلاف قصاراها زعاف ومركب شهي إذا استلذذته فهو جامح وشخص جميل يؤثر الناس حسنه ولكن له أسرار سوء قبائح والمعنى الثاني : أن ينزله على نفسه في حق الله تعالى ، فإنه إذا تفكر فمعرفته جهل ، إذ ما قدروا الله حق قدره ، وطاعته رياء ، إذ لا يتقى الله حق تقاته ، وحبه معلول إذ لا يدع شهوة من شهواته في حبه ، ومن أراد الله به خيرا بصره بعيوب نفسه ، فيرى مصداق هذا البيت في نفسه ، وإن كان على المرتبة بالإضافة إلى الغافلين ، ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » وقال عليه الصلاة والسلام [ 3 ] « إنّى لأستغفر الله في اليوم واللَّيلة سبعين مرّة » وإنما كان استغفاره عن أحوال هي درجات بعد بالإضافة إلى ما بعدها ، وإن كانت قربا بالإضافة إلى ما قبلها ، فلا قرب إلا ويبقى وراءه قرب لا نهاية له ، إذ سبيل السلوك إلى الله تعالى غير متناه . والوصول إلى أقصى درجات القرب محال والمعنى الثالث : أن ينظر في مبادى أحواله فيرتضيها ، ثم ينظر في عواقبها فيزدريها ، لاطلاعه على خفايا الغرور فيها ، فيرى ذلك من الله تعالى ، فيستمع البيت في حق الله تعالى شكاية من القضاء والقدر ، وهذا كفر ، كما سبق بيانه ، وما من بيت إلا ويمكن تنزيله على معان وذلك بقدر غزارة علم المستمع وصفاء قلبه الحالة الرابعة : سماع من جاوز الأحوال والمقامات ، فعزب عن فهم ما سوى الله تعالى حتى عزب عن نفسه وأحوالها ومعاملاتها ، وكان كالمدهوش الغائص في بحر عين الشهود